صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
259
تفسير القرآن الكريم
وللإشعار بأن المراد من الفرح المذكور هو الذي يوجب البطر والخيلاء عقّبه بقوله : واللّه لا يحب كل مختال فخور - أي : معجب بما أوتي ، متكبر على الناس بالدنيا ، فإن الفرق بين « الخيلاء » و « الفخر » كالفرق بين « العجب » و « التكبر » في أن أحدهما بحسب نفس الموصوف به ، والآخر له بالقياس إلى غيره دون مقابله ، لأن النكتة في ذكر شقاوة الموصوف بأحد المتقابلين دون الآخر إن هذا أشقى منه ، ولأن الاتصاف بأحد هذين الوصفين يستلزم الاتصاف بالآخر إذ قلّ من يكون له الفرح المطغي عند حظّ دنياوي ولا يضطرب عند المصيبة ، بل الغالب أن لا يثبت نفسه حالة الضراء ، كما لا يثبت نفسه حالة السرّاء ، فكل مختال فخور يكون جزوعا غير صبور ، وكلا الأمرين نقص وخسّة ، واللّه لا يحب كل ناقص خسيس . ففي هذه الآية إشارة إلى أربعة أشياء : أحدها : حسن الخلق . لأن من استوى عنده وجود الدنيا وعدمها لا يحسد ، ولا يعادي ، ولا يشاحّ ، لأن جميعها من أسباب سوء الخلق ، وهي من نتائج النقص والخسّة . وثانيها : استحقار الدنيا وأهلها إذا لم يفرح بوجودها ولم يحزن بعدمها ، وإليه أشار - عليه وآله السّلام - بقوله : « لا يفقه الرجل كلّ الفقه حتى يرى الناس أمثال الأباعر » « 1 » . يعني لا يحفل بوجودهم ولا يغيّره ذلك كما لا يغير بوجود بعير عنده - وتمام الخبر : « ثم هو يرجع إلى نفسه فيكون أعظم حاقر لها » . وثالثها : تعظيم الآخرة لما سئل اللّه فيها من الثواب الدائم الخالص من الشوائب ، لأنه لما يئس من وجدان اللذة والنعيم في الدنيا ، توجه إلى طلبهما في الآخرة ، وأهل الدنيا بعكس ذلك ، لأنهم لما يئسوا من الآخرة ولذّاتها ونعيمها انكبّوا إلى الدنيا واطمأنّوا بها ويئسوا من الآخرة « كما يئس الكفار من أصحاب القبور » .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : باب مواعظ النبي ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) من كتابه الروضة : 77 / 83 .